حيدر حب الله

73

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

فكأنّ النبيّ يطالب الناقلين بنقل اللفظ هنا ، وهذا يحتاج لإثبات ؛ فلعلّ النبيّ انطلق فيها من عربيّته وفصاحته ، لا أنّه أراد خصوصيّتها البيانيّة البلاغيّة بوصفها هدفاً مقصوداً له . هذا هو مهمّ الشروط التي تطرح في سياق ترخيص النقل بالمعنى ، وقد تبيّن أنّ المهم منها مطلقاً هو الشرط الأوّل والثاني ( التلقّي التام والنقل التامّ للفكرة ) ، كما أنّ الشرط الخامس ( عدم كون الناقل بقرينةٍ ما في مقام النقل اللفظي ) ، والسادس ( عدم وجود ما يفيد إرادة النبيّ للفظ ) ، صحيحان في بابهما ، فالعمدة هو شرط الفهم وسلامة النقل لا غير ، وأمّا باقي الشروط فإما ترجع إليهما أو هي ليست بشرط . وعليه ، فالنقل بالمعنى جائزٌ بهذه الشروط ، وإن كان النقل باللفظ في مثل الحديث الشريف أفضل حيث أمكن . 3 - النقل بالمعنى والواقع التاريخي ، الخطوة الأهمّ ما تحدّثنا فيه حتى الآن ، كان بحثاً فقهيّاً في جواز النقل بالمعنى ، وقد تبيّن الجواز بشروط ، إلا أنّ السؤال الذي يهمّنا أكثر هنا هو : هل من الناحية التاريخيّة كان النقل بالمعنى للأحاديث هو السائد أو أنّ السائد والمتعارف كان هو النقل باللفظ أو أنّ هناك تفصيلًا ما في هذه القضيّة ؟ يبدو لنا ترجيح فرضيّة وجود النقل بالمعنى في القرون الهجريّة الأولى ، وأنّه ظاهرة معتدّ بها ، ولا أقلّ من وجود استحالة عمليّة في إثبات النقل باللفظ مطلقاً أو إلا نادراً ، ويمكن تقديم مجموعة معطيات تعزّز هذا الترجيح ، وننظر إليها بوصفها توليفة تؤخذ بمجموع عناصرها وفقراتها ، وأبرزها : 1 - المعروف تاريخيّاً - خصوصاً في القرن الأوّل وشطر من القرن الثاني - أنّ النقل كان بالمعنى ، وليس باللفظ ، ولا أقلّ من أنّه لا يوجد دليلٌ على اشتهار النقل باللفظ ، فقد نقلوا أنّ حذيفة بن اليمان ( 36 ه - ) ، وعائشة ( 57 ه - ) ، وأبا سعيد الخدري ( 63 ه - ) ، وعبد